محمد هادي معرفة

169

التفسير الأثري الجامع

إنّي سألت ربّي بالأمس شيئا لم يجد لي به ، سألته التبعات فأبى عليّ ، فلمّا كان اليوم أتاني جبريل فقال : إنّ ربّك يقرئك السّلام ويقول : ضمنت التبعات وعوّضتها من عندي » « 1 » . قال أبو جعفر الطبري : دلّ هذان الخبران أنّ غفران اللّه التّبعات الّتي بين خلقه فيما بينهم ، إنّما هو غداة جمع ، وذلك في الوقت الّذي قال تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لذنوبكم ، فإنّه غفور لها حينئذ ، تفضّلا منه عليكم رحيم بكم . قلت : في هذا نظر ؛ إذ لا تغيير ولا تبديل في علمه تعالى وحكمته البالغة ، وهذا الّذي ورد في الحديثين وما قبلهما يشبه أن يكون من البداء الممتنع عليه سبحانه . كما أنّه تعالى لا يردّ دعاء عبده المؤمن الضارع إليه ، ولا سيّما إذا كان استغفارا بشأن الآخرين . فكيف بدعاء نبيّه الكريم عليه ، والمتأدّب بأدبه تعالى ، وهو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يسأل ربّه ما لا يكون وما لا مساغ للمسألة فيه ! ؟ [ 2 / 5558 ] وأخرج ابن مردوية عن أبيّ بن كعب ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « إنّ اللّه يباهي بأهل عرفة ويقول : انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا من كلّ فجّ عميق . فلو كان عليك مثل رمل عالج ذنوبا غفرها اللّه لك » « 2 » . [ 2 / 5559 ] وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إذا كان يوم عرفة فإنّ اللّه تبارك وتعالى يباهي بهم الملائكة فيقول : انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا ضاحين من كلّ فجّ عميق ، أشهدكم أنّي قد غفرت لهم . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة » « 3 » . [ 2 / 5560 ] وأخرج ابن ماجة عن بلال بن ربّاح ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال له غداة جمع : « أنصت الناس . ثمّ قال : إنّ اللّه تطاول عليكم في جمعكم هذا ، فوهب مسيئكم لمحسنكم ، وأعطى محسنكم ما سأل ، ادفعوا باسم اللّه » « 4 » .

--> ( 1 ) الدرّ 1 : 552 ؛ الطبري 2 : 403 / 3056 ؛ حلية الأولياء 8 : 199 . ( 2 ) الدرّ 2 : 425 ( ط : هجر ) . ( 3 ) الشعب 3 : 460 / 4068 ؛ الدرّ 2 : 425 ( ط : هجر ) . ( 4 ) الدرّ 1 : 553 - 554 ؛ ابن ماجة 2 : 1006 / 3024 ، باب 61 .